محمد بن جرير الطبري

7

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نَذِيرٌ مُبِينٌ يقول تعالى ذكره : فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به ، واتباع أمره ، والعمل بطاعته إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ يقول : إني لكم من الله نذير أنذركم عقابه ، وأخوفكم عذابه الذي أحله بهؤلاء الأمم الذي قص عليكم قصصهم ، والذي هو مذيقهم في الآخرة . وقوله : مُبِينٌ يقول : يبين لكم نذارته . وقوله : وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يقول جل ثناؤه : ولا تجعلوا أيها الناس مع معبودكم الذي خلقكم معبودا آخر سواه ، فإنه لا معبود تصلح له العبادة غيره إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ يقول : إني لكم أيها الناس نذير من عقابه على عبادتكم إلها غيره ، مبين قد أبان لكم النذارة . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يقول تعالى ذكره : كما كذبت قريش نبيها محمدا صلى الله عليه وسلم ، وقالت : هو شاعر ، أو ساحر أو مجنون ، كذلك فعلت الأمم المكذبة رسلها ، الذين أحل الله بهم نقمته ، كقوم نوح وعاد وثمود ، وفرعون وقومه ، ما أتى هؤلاء القوم الذين ذكرناهم من قبلهم ، يعني من قبل قريش قوم محمد صلى الله عليه وسلم من رسول إلا قالوا : ساحر أو مجنون ، كما قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم . وقوله : أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يقول تعالى ذكره : أأوصى هؤلاء المكذبين من قريش محمدا صلى الله عليه وسلم على ما جاءهم به من الحق أوائلهم وآباؤهم الماضون من قبلهم ، بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ، فقبلوا ذلك عنهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ قال : أوصى أولاهم أخراهم بالتكذيب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ تَواصَوْا بِهِ أي كان الأول قد أوصى الآخر بالتكذيب . وقوله : بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يقول تعالى ذكره : ما أوصى هؤلاء المشركون آخرهم بذلك ، ولكنهم قوم متعدون طغاة عن أمر ربهم ، لا يأتمرون لأمره ، ولا ينتهون عما نهاهم عنه القول في تأويل قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ . . . الْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فتول يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله من قريش ، يقول : فأعرض عنهم حتى يأتيك فيهم أمر الله ، يقال : ولى فلان عن فلان : إذا أعرض عنه وتركه ، كما قال حصين بن ضمضم : أما بنو عبس فإن هجينهم * ولى فوارسه وأفلت أعوزا والأعوز في هذا الوضع : الذي عور فلم تقض حاجته ، ولم يصب ما طلب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد فَتَوَلَّ عَنْهُمْ قال : فأعرض عنهم . وقوله : فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ يقول جل ثناؤه : فما أنت يا محمد بملوم ، لا يلومك ربك على تفريط كان منك في الإنذار ، فقد أنذرت ، وبلغت ما أرسلت به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ قال : محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ قال : قد بلغت ما أرسلناك به ، فلست بملوم ، قال : وكيف يلومه ، وقد أدى ما أمر به . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ذكر لنا أنها لما نزلت هذه الآية ، اشتد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأوا أن الوحي قد انقطع ، وأن العذاب قد حضر ، فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : أخبرنا ابن علية ، قال : أخبرنا